أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

361

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

أحدهما : أنه متعلق بجاعل ، أي : لأجل الناس . والثاني : أنه حال من إماما ، فإنه صفة نكرة قدم عليها فيكون حالا منها إذ الأصل : إماما للناس ، فعلى هذا يتعلق بمحذوف والإمام : اسم ما يؤتم به ، أي : يقصد ويتبع كالإزار اسم ما يؤتزر به ، ومنه قيل لخيط البناء « إمام » ويكون في غير هذا جمعا لأمّ اسم فاعل من أم يؤم نحو : قائم وقيام ، ونائم ونيام وجائع وجياع . قوله : وَمِنْ ذُرِّيَّتِي فيه ثلاثة أقوال : أحدها : أن « من ذريتي » صفة لموصوف محذوف هو مفعول أول ، والمفعول الثاني والعامل فيهما محذوف تقديره : قال واجعل فريقا من ذريتي إماما ، قاله أبو البقاء . الثاني : أن ومن ذريتي عطف على الكاف ، كأنه قال : « وجاعل بعض ذريتي » كما يقال لك : سأكرمك فتقول وزيدا . قال الشيخ « 1 » : لا يصح العطف على الكاف لأنها مجرورة ، فالعطف عليها لا يكون إلا بإعادة الجار ولم يعد ، ولأن من لا يمكن تقدير إضافة الجار إليها لكونها حرفا وتقديرها مرادفة لبعض حتى تصح الإضافة إليها لا يصح ، ولا يصح أن يقدر العطف من باب العطف على موضع الكاف ، لأنه نصب فتجعل « من » في موضع نصب ، لأنه ليس مما يعطف فيه على الموضع في مذهب سيبويه لفوات المحرز ، وليس نظير ما ذكر لأن الكاف في « سأكرمك » في موضع نصب . الثالث : قال الشيخ « 2 » : والذي يقتضيه المعنى أن يكون من ذريتي - متعلقا بمحذوف التقدير : واجعل من ذريتي إماما ، لأن « إبراهيم » فهم من قوله : إني جاعلك للناس إماما الاختصاص ، فسأل أن يجعل من ذريته إماما ، فإن أراد الشيخ التعلق الصناعي فيتعدى « جاعل » لواحد فهذا ليس بظاهر ، وإن أراد التعلق المعنوي فيجوز أن يريد ما يريده أبو البقاء ، ويجوز أن يكون « من ذريتي » مفعولا ثانيا قدم على الأول ، فيتعلق بمحذوف ، وجاز ذلك لأنه ينعقد من هذين الجزأين مبتدأ وخبر لو قلت : « من ذريتي إمام » لصح ، وقال ابن عطية : وقيل هذا منه على جهة الاستفهام عنهم ، أي : ومن ذريتي يا رب ماذا يكون ؟ فيتعلق على هذا بمحذوف ولو قدره قبل « من ذريتي » لكان أولى ، لأن ما في حيز الاستفهام لا يتقدم عليه . وفي اشتقاق « ذرية » وتصريفها كلام طويل يحتاج الناظر فيه إلى تأمل ، اعلم أن في ذرية ثلاث لغات : ضم الذال وكسرها وفتحها ، وبالضم قرأ الجمهور ، وبالفتح قرأ أبو جعفر المدني ، وبالكسر قرأ زيد بن ثابت « 3 » ، فأما اشتقاقها ففيه أربعة مذاهب : أحدها : أنها مشتقة من ذروت . الثاني : من ذريت .

--> ( 1 ) البحر المحيط ( 1 / 376 ) . ( 2 ) انظر البحر المحيط ( 1 / 377 ) . ( 3 ) زيد بن ثابت بن الضحاك يكنى أبا سعيد وأحد كتاب الوحي لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم توفي سنة خمس وأربعين الاستيعاب ( 2 / 537 ) ، أسد الغابة ( 2 / 278 ) .